فخر الدين الرازي
46
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أنه تعالى لما بين من يحل ومن لا يحل : بين فيمن يحل أنه متى يحل ، وعلى أي وجه يحل فقال : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ الكسائي المحصنات بكسر الصاد ، وكذلك محصنات غير مسافحات وكذلك فعليهن نصف ما على المحصنات كلها بكسر الصاد ، والباقون بالفتح ، فالفتح معناه ذوات الأزواج ، والكسر معناه العفائف والحرائر واللَّه أعلم . المسألة الثانية : الطول : الفضل ، ومنه التطول وهو التفضل ، وقال تعالى : ذِي الطَّوْلِ [ غافر : 3 ] ويقال : تطاول لهذا الشيء أي تناوله ، كما يقال : يد فلان مبسوطة وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر ؛ لأنه إذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة ، كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان ، وسمي الغنى أيضا طولا ، لأنه ينال به من المرادات مالا ينال عند الفقر ، كما أن بالطول ينال ما لا ينال بالقصر . إذا عرفت هذا فنقول : الطول القدرة ، وانتصابه على أنه مفعول « يستطع » و « أن ينكح » في موضع النصب على أنه مفعول القدرة . فإن قيل : الاستطاعة هي القدرة ، والطول أيضا هو القدرة ، فيصير تقدير الآية : ومن لم يقدر / منكم على القدرة على نكاح المحصنات ، فما فائدة هذا التكرير في ذكر القدرة ؟ قلنا : الأمر كما ذكرت ، والأولى أن يقال : المعنى فمن لم يستطع منكم استطاعة بالنكاح المحصنات ، وعلى هذا الوجه يزول الإشكال ، فهذا ما يتعلق باللغة . أما ما قاله المفسرون فوجوه : الأول : ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة . الثاني : أن يفسر النكاح بالوطء ، والمعنى : ومن لم يستطع منكم طولا وطء الحرائر فلينكح أمة ، وعلى هذا التقدير فكل من ليس تحته حرة فإنه يجوز له التزوج بالأمة . وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة ، فإن مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة ، سواء قدر على التزوج بالحرة أو لم يقدر . والثالث : الاكتفاء بالحرة ، فله أن يتزوج بالأمة سواء كان تحته حرة أو لم يكن ، كل هذه الوجوه إنما حصلت ، لأن لفظ الاستطاعة محتمل لكل هذه الوجوه . المسألة الثالثة : المراد بالمحصنات في قوله : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ هو الحرائر ، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الإماء ، فلا بد وأن يكون المراد من